السيد محمد حسين فضل الله

267

من وحي القرآن

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ إنها صفات المؤمنين المتقين في تطلعاتهم لما عند اللَّه ، وفي خصائصهم الذاتية المنطلقة في خط الإيمان باللَّه . . . فهم يعيشون الحياة من خلال الشعور بإيمانهم كحقيقة تحتوي كيانهم ، وتستوعب كل نشاطهم ، وتدفعهم إلى تحمّل المسؤولية بوعي كامل لنتائجها العاجلة والآجلة ، ومحاسبة دقيقة لكل خطواتها العملية المستقيمة والمنحرفة . . . وهذا ما يتمثل في هذا الدعاء الخاشع رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا بك ، فهو القاعدة الفكرية والشعورية التي ننطلق منها من موقع القوّة ، فليكن هذا الإيمان شفيعنا عندك في ما أخطأنا فيه ، فإننا لم نخطئ جحودا بألوهيتك ولا تمرّدا على عبوديتنا لك ، ولكنها تسويلات النفس الأمّارة بالسوء التي خلقتها من ضعف وأعطيتنا القوة لنستعين بها على مقاومة الضعف ، ولكنّك تعلم أننا قد نضعف أمام أنفسنا ، فلا تؤاخذنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ لنقف بين يديك طاهرين من الدنس ، مطهرين من الذنوب ، ننتظر رضاك في دخول جنتك . . . وبعد ذلك ، فإنهم الصابرون الذين يواجهون تحديات الحياة في شهواتها ومتاعبها بصبر لا يضعف ولا ينهار ، بل يحافظ على تماسك الشخصية في خط الإيمان الصامد ، فيتحمّلون - من خلال ذلك - كل الضغوط ، مهما بلغت من القوة والقسوة والصعوبة . وهم الصادقون مع أنفسهم ومع ربهم ومع الناس ، فقد آمنوا بالحق ، ولا مجال معه للكذب ، لأن الكذب والخداع والتدليس والغش من الباطل ، ولا يجتمع الباطل والحق في قلب إنسان واحد . وهم القانتون العابدون للَّه المطيعون لأمره في كل شيء ، وهم المنفقون الذين يعيشون روح العطاء في ما رزقهم اللَّه من مال وعلم وجاه وخبرة ، فلا يرون ذلك امتيازا يستعلون به على الناس ، بل يعتبرونه أمانة ومسؤولية يؤدونها إلى الناس ، ورسالة يعيشون الحياة جهادا